المنجي بوسنينة

103

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

والأصول ، فقد كان من أساتذة الفقه والكلام وجهابذة المعرفة بالأحكام ، منقّحا لدروس شرائع الإسلام ، مفرّعا لرؤوس مسائل الحلال والحرام ، حتّى حاز بحقّ لقب « الشيخ الأكبر » و « شيخ الطائفة » وهما من الألقاب الدّينيّة العلميّة الرّفيعة التي لا تطلق إلّا على كبار المجتهدين من الفقهاء والإماميّة المتميّزين . أثنى عليه صاحب « الحصون المنيعة » قائلا : « كان فقيه زمانه ، وآية عصره وأوانه ، فهّامة ، تقيّا ، نقيّا ، عدلا ، ثقة ، صالحا عابدا زاهدا ، ورعا ، جمّ الفضائل . . . » وخصّه بمزيد من الإجلال والاحترام ، صاحب كتاب « مستدرك الوسائل » فقال : « علم الأعلام ، وسيف الإسلام ، خرّيت التحقيق والتّدقيق ، مالك أزمّة الفضل بالنظر الدّقيق ، وهو من آيات اللّه العجيبة التي تقصر عن دركها العقول ، وعن وصفها الألسن ، فإن نظرت إلى علمه فكتابه « كشف الغطاء » الذي ألّفه في سفره ينبئك عن أمر عظيم ، ومقام في مراتب العلوم الدّينيّة أصولا وفروعا » . ووصفه السيد محسن العامليّ في كتابه « أعيان الشيعة » فقال : « انتهت إليه رئاسة الإماميّة الدّينيّة في عصره ، والزّمنيّة في قطره ، فهو الفقيه الأكبر ، مفتي الإماميّة ، رجع إليه النّاس وأخذوا عنه ، ورأس بعد وفاة شيخه السيد مهدي بحر العلوم الطّباطبائيّ ( ت 1212 ه / 1797 م ) واشتهر باعتدال السّليقة في الفقه ، وقوّة الاستنباط من الأدلّة ، فكان أعجوبة في الفقه لقوّة استنباطه . واشتهر من باب الملح : « إنّ الشّيخ جعفر عنده دليل زائد وهو دليل الشّمّ ، وكان مع ذلك أديبا شاعرا » . وكان للشيخ جعفر مكانة اجتماعيّة لا تقل أهميّة عن مكانته العلميّة ، فقد ساد عصره ، وترأس على أقرانه ، وكان مقدّما عن الخاص والعام ، مهيبا ، معظّما عند العلماء والحكّام ، قائما بالأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ، ساعيا في قضاء حوائج النّاس ، ومساعدة الفقراء والصّالحين ، امتدّ نفوذه وسمت مكانته ، فأفاض العلم ونشر الدعوة الإسلاميّة ، وأقام معالم الدّين ، وشاد دعائمه . وكان أمراء الدولة العثمانيّة يرمقونه بعين الإجلال والاحترام والإكبار ، وينجزون ما قصدهم من أجله للصّالح العام ، وكذلك سلاطين الدولة الإيرانيّة ، فقد كان مقدّما معظّما عند الدّولتين ، وله القبول التّام من الطرفين . وفي هذه الحادثة ما يدلّ على المكانة الرّفيعة للشيخ جعفر : « كان السّلطان الإيرانيّ فتح عليّ شاه القاجاريّ قد أسند إلى ولده الأكبر السلطان محمد عليّ ميرزا ولاية تمام محال كردستان من كرمانشاه إلى خانقين ، ومن خرّم آباد إلى حدود البصرة ، وذلك حين تعدّى عليّ باشا والي بغداد على إيران ، وجنّد ثلاثين ألفا بقيادة ابن أخيه سليمان باشا كهيا الكرجيّ الرّوميّ ، فتجاوزوا من خانقين إلى شهرزور ، ومنها إلى بحيرة مريوان فتلاقوا هناك ، واشتعلت نيران الحرب بينهما حتّى انكسر عسكر الروم وانهزم إلى حدود الموصل وبغداد عن ثلاثة آلاف قتيل ، وأكثر منهم أسيرا ، وفيهم القائد كهيا المذكور ، فالتجأ عليّ باشا والي بغداد إلى شيخ الجعفريّة الشيخ جعفر النّجفيّ ، فقبل الشيخ التماسه ، وذهب إلى محمّد عليّ ميرزا شفيعا للأسراء ، فقبل شفاعته ما عدا كهيا ، فأطلقهم جميعا ، وبعث كهيا مقيّدا إلى السلطان فتح عليّ شاه ، فأمر بحفظه وفك